ابن حمدون
38
التذكرة الحمدونية
عدّ ، وإذا عليه العرمض والظلّ يفيء عليه . فشربوا منه ربّهم وحملوا منه ما اكتفوا به حتى بلغوا الماء . فأتوا النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلم وأخبروه وقالوا : يا رسول اللَّه ، أحيانا اللَّه عزّ وجلّ ببيتين من شعر امرئ القيس وأنشدوه الشّعر ، فقال صلَّى اللَّه عليه وسلم : ذاك رجل مذكور في الدنيا شريف فيها ، منسيّ في الآخرة خامل فيها ، يجيء يوم القيامة معه لواء الشعر إلى النار . « 58 » - لمّا قدم عثمان بن حيّان المرّي إلى المدينة واليا عليها ، قال له قوم من وجوه الناس : إنّك قد وليت المدينة على كثرة من الفساد ، فإن كنت تريد أن تصلح فطهّرها من الغناء والزّنا . فصاح في ذلك ، وأجّل أهله ثلاثا يخرجون فيها من المدينة . وكان ابن أبي عتيق غائبا ، وكان من أهل الفضل والعفاف والصلاح . فلما كان آخر ليلة من الأجل قدم ، فقال : لا أدخل منزلي حتى أدخل على سلامة القسّ ، فدخل عليها فقال : ما دخلت منزلي حتى جئتكم أسلَّم عليكم ، قالوا : ما أغفلك عن أمرنا ! وأخبروه الخبر . فقال : اصبروا إلى الليلة التي آتيه ، قالوا : نخاف أن لا يمكنك شيء ، قال : إن خفتم شيئا ، فأخرجوا في السّحر . ثم خرج ، فاستأذن على عثمان بن حيّان ، فأذن له ، فسلَّم عليه وذكر غيبته ، وذكر أنه جاءه ليقضي حقّه ، ثم جزاه خيرا على ما فعل من إخراج أهل الغناء والزنا ، وقال : أرجو أن تكون عملت عملا هو خير لك من ذلك ، فقال عثمان : قد فعلت ذلك وأشار به عليّ أصحابك . فقال : قد أصبت ، ولكن ما تقول - أمتع اللَّه بك - في امرأة هذه صناعتها ، وكانت تكره على ذلك ، ثم تركته وأقبلت على الصلاة والصيام والخير ، وأنا رسولها إليك تقول : أتوجّه إليك وأعوذ بك أن تخرجني من جوار رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم ومسجده ؛ قال : إنّي أدعها لك ولكلامك . قال ابن أبي عتيق : لا يدعك الناس ، ولكن تأتيك وتسمع كلامها وتنظر إليها ، فإن رأيت أنّ مثلها ينبغي أن يترك تركتها ، قال : نعم .
--> « 58 » الأغاني 8 : 343 - 344 ونثر الدر 7 : 335 ونهاية الأرب 5 : 55 - 56 .